لا وقف لإطلاق النار في لبنان... هل تتوسع الحرب من جديد؟

تتشابك في المرحلة الحالية ملفات المنطقة من طهران إلى واشنطن مروراً بتل أبيب وبيروت، ويبدو ان المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، حيث تتداخل فيه مسارات الحرب والدبلوماسية والتفاوض من دون أن ترسو على تسوية نهائية حتى الآن، فالصراع القائم لم يعد محصوراً بساحة واحدة، بما يجعل لبنان ساحة غير منفصلة عن هذا المشهد، بل نقطة تقاطع لتوازنات إقليمية ودولية لا تزال في طور التشكل، ما يجعل أي تسوية أو تصعيد فيه مرهوناً بما يجري خارج حدوده بقدر ما هو مرتبط بالوقائع الميدانية الداخلية.

ويتناول الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم في حديث الى “ليبانون ديبايت” في قراءته للتطورات الإقليمية الراهنة مساراً معقّداً من التفاعلات الدولية التي تمتد من الملف الإيراني إلى الساحة اللبنانية، مروراً بالدور الأميركي والصيني في إدارة التوازنات العالمية.

وفي هذا السياق، يتوقف عند زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، وما قد تعكسه من مؤشرات حول إمكان انخراط بكين في ملفات النزاع أو لعب دور في تهدئة التصعيد القائم.

ويرى بيرم أنّ الولايات المتحدة لم تعد تميل إلى الذهاب نحو مواجهة عسكرية مع إيران بالمستوى الذي كان مطروحاً سابقاً، خصوصاً بعد جولات التفاوض وما رافقها من تفاهمات لوقف التصعيد، مشيراً في المقابل إلى أنّ إيران لا تزال تتصرف من موقع قوة، متمسكة بمواقفها، ومرتكزة إلى علاقة استراتيجية متنامية مع الصين، في حين تحافظ بكين على توازن دقيق بين شراكتها الاقتصادية مع واشنطن وعلاقاتها السياسية مع طهران.

وانطلاقاً من هذا المشهد، يطرح بيرم تساؤلاً حول إمكان التعويل على دور صيني في معالجة الأزمة الأميركية–الإيرانية، معتبراً أنّ هذا الاحتمال لا يزال في إطار التحليل ولم يرتقِ بعد إلى مستوى الخيار السياسي الواضح.

ويوضح أنّ الصين، في هذه المرحلة، تتحرك وفق منطق المصالح المتشابكة، فهي حريصة على تجنّب أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل عمق علاقتها مع إيران، ما يجعل موقعها في أي تسوية محتملة بالغ الحساسية والدقة.

ويشير إلى أنّ أي وساطة صينية في هذا السياق، إن حصلت، ستكون تطوراً جديداً في أسلوب إدارة الأزمات الدولية، وقد تعكس تحوّلاً في مقاربة بعض الملفات الكبرى، إلا أنّها تبقى حتى الآن غير محسومة النتائج أو الإطار. وعلى خط موازٍ، ينتقل بيرم إلى الملف اللبناني، حيث يلفت إلى أنّ المفاوضات المرتقبة في واشنطن بين لبنان وإسرائيل لا تبدو سهلة، في ظل مؤشرات تدل على صعوبة التوصل إلى وقف لإطلاق النار في المرحلة الحالية، بفعل استمرار النهج الإسرائيلي القائم على التصعيد والضغط الميداني والسياسي على لبنان.

وفي هذا الإطار، يشير إلى أنّ إسرائيل لا تزال تعتمد سياسة “الدبلوماسية تحت النار”، من دون إظهار استعداد حقيقي لتقديم تنازلات جوهرية، الأمر الذي يعقّد مسار أي تسوية محتملة.

كما يلفت إلى أنّ لبنان رفع مستوى تمثيله في هذه المفاوضات من مستوى السفير إلى موفد مباشر، في إشارة إلى محاولة إظهار جدية أكبر في التعامل مع هذا المسار، إلا أنّ ذلك لا يبدو كافياً في ظل استمرار التشدد الإسرائيلي. ويرى بيرم أنّ احتمال توسّع الحرب في لبنان أو في المنطقة لا يزال، في هذه المرحلة، محدوداً نسبياً، لكنه غير محسوم، إذ تبقى كل الاحتمالات مفتوحة على تطورات مرتبطة أساساً بالملف الإيراني وبالاتجاهات التي ستسلكها التفاهمات الدولية والإقليمية.

ويختم بالتأكيد أنّ إيران، رغم الضغوط المتصاعدة عليها، لم تقدّم حتى الآن أي تنازلات جوهرية، وما زالت متمسكة بثوابتها، الأمر الذي ينعكس مباشرة على مجمل توازنات المنطقة، ويجعل أي تسوية في الساحة اللبنانية أو غيرها رهناً بتطورات هذا الملف المركزي.