هل استيقظ "المارد السنّي"؟

بين التأجيل والترحيل، أو حتى الإلغاء، لإقرار قانون “العفو العام”، تنكشف الساحة الداخلية على انقسامات طائفية ومذهبية وسياسية تختزن كل التراكمات التي تجمّعت في الذاكرة العامة للبنانيين، وعبّرت عنها الكتل النيابية كما المرجعيات الروحية والمقرّات الرئاسية.

وإذا كان شعار إعادة طرح مشروع “العفو” إلى ساحة النجمة مشروطًا بـ”التوافق”، وفق رئيس مجلس النواب نبيه بري، فإن أي تقاطع بين المعنيين بالمشروع مستبعد بقوة في المرحلة الراهنة، انطلاقًا من حجم الاعتراض في الشارع، الذي ذهب إلى حدود تحويل الملف إلى قضية “رأي عام”، وبالتالي فتح الأبواب أمام الشعبوية وتصفية الحسابات السياسية، كما المزايدة في عدة نواحٍ، وصولًا إلى إخراج “العفو” من سياقه الطبيعي وأهدافه الحقيقية، وهي فتح صفحة جديدة بين اللبنانيين وتحقيق العدالة التي تأخرت بالنسبة إلى آلاف السجناء الموقوفين من دون محاكمة منذ أكثر من عشر سنوات.

وبعيداً عن الإنزلاق إلى “تمييع” الجريمة وتخفيف الردع الذي تؤمّنه العقوبة المناسبة لكل جرم، وفي خضمّ النقاش حول “العفو العام”، لا بدّ من أن تكون قضية اكتظاظ السجون في مرتبة متقدمة، خصوصاً مع تسجيل أعداد مرتفعة من المرضى وحتى المتوفين في صفوف السجناء، نتيجة تدهور الظروف الإجتماعية والصحية في مختلف السجون على امتداد الأراضي اللبنانية.

ومن خلال مشهد الشارع المشتعل بالتحركات الغاضبة في أكثر من منطقة، تتزاحم التساؤلات حول أبعاد وطبيعة ونتائج “غضب المارد السنّي”، بعد الزخم غير المسبوق الذي يكتسبه ملف “العفو العام”، والذي عاد بعد غياب لفترة زمنية طويلة، محوّلاً الملف إلى عنوان مواجهة على خلفية “الموقوفين الإسلاميين” وما تعرّض له بعضهم من “مظلومية”، تعكس نوعاً من الخلل في العدالة، وفق ما يتحدث به المحتجون في طرابلس أو صيدا أو البقاع الغربي أو خلدة أو إقليم الخروب.

ويتعزّز اليوم الإنطباع في الشارع السنّي، الذي يتحرك منذ يومين من أجل الدفع نحو إقرار القانون وفق صيغة تؤمّن العدالة وتضع حدًا للتمييز في التعاطي مع السجناء انطلاقًا من مذهبهم وطائفتهم وانتمائهم السياسي، بأن “المظلومية” مستمرة على الرغم من كل الظروف التي تمرّ بها الأطراف اللبنانية كافةً والتحولات السياسية التي فرضت نفسها في كل الملفات.

وعند هذا الحدّ، ومع ارتفاع وتيرة الإحتقان لدى العديد من القوى السياسية، فإن دخول شخصيات وأحزاب وجمعيات وجهات حقوقية على خطّ “العفو”، تتزايد الخشية من الإطاحة بالملف وبالتالي من إيقاظ العصبيات الطائفية والمذهبية في الشرع. والأخطر في ما يكشف عنه النائب التغييري بلال حشيمي لـ”ليبانون ديبايت”، هو الإعتقاد، بعد إلغاء الجلسة النيابية المقرّرة اليوم في موضوع العفو، بوجود خطة مبرمجة لإلغاء هذا القانون من أساسه، متهماً أحد الأفرقاء السياسيين بالعمل على الإطاحة بملف العفو العام بشكل نهائي، ولمصالح وحسابات خاصة به، وذلك من أجل أن يبقى الموقوفون المظلومون سنوات إضافية طويلة في السجون من دون محاكمة.

وإذ يأسف النائب حشيمي لوصول هذا الملف إلى النتيجة الحالية، يؤكد أنه حاول مع زملائه النواب، وخصوصاً النواب نبيل بدر ووليد البعريني وعماد الحوت، وشاركوا في العديد من الإجتماعات والمناقشات، واستمروا في هذه المحاولات والجهود حتى النهاية، إلى أن تمّ الإتفاق على مشروع قانون معيّن، ووضعوا الملاحظات على المواد التي اعترضوا عليها، وقاموا بتحويلها إلى الجلسة العامة التي أرجئت بعدما كانت مقرّرة اليوم من أجل دراستها والتوصل إلى صيغة معينة بشأنها مع بعض الكتل النيابية، وذلك بهدف إضافة بعض النقاط إلى مواد لم يتم الإتفاق عليها، تمهيداً لإقرار القانون.